سيد محمد طنطاوي

88

التفسير الوسيط للقرآن الكريم

وقوله : * ( وقَوْمَ نُوحٍ مِنْ قَبْلُ . . . ) * أي : وأهلك - أيضا - قوم نوح من قبل إهلاكه لعاد وثمود . . * ( إِنَّهُمْ كانُوا ) * أي : قوم نوح * ( هُمْ أَظْلَمَ وأَطْغى ) * أي : هم كانوا أشد في الظلم والطغيان من عاد وثمود ، فقد آذوا نوحا - عليه السلام - أذى شديدا ، استمر صابرا عليه زمنا طويلا . وكان هلاكهم بالطوفان ، كما قال - تعالى - : فَأَخَذَهُمُ الطُّوفانُ وهُمْ ظالِمُونَ . وقدم قبيلتي عاد وثمود في الذكر على قوم نوح - مع أن قوم نوح أسبق - لأن هاتين القبيلتين كانتا مشهورتين عند العرب أكثر ، وديارهم معروفة لهم . والمراد بالمؤتفكات قوم لوط - عليه السلام - ، وسموا بذلك لأن قريتهم ائتفكت بأهلها ، أي : انقلبت رأسا على عقب . يقال : أفكه عن كذا يأفكه إذا قلبه وصرفه . ومنه الإفك ، لأنه قلب للحق عن وجهه الصحيح . أي : وأهلك - سبحانه - القرى المؤتفكة بأهلها ، بأن أهوى بها جبريل - عليه السلام - إلى الأرض بعد أن رفعها إلى السماء * ( فَغَشَّاها ما غَشَّى ) * أي : فأصابها ما أصابها من العذاب المهين ، والدمار الشامل ، كما قال - تعالى - : جَعَلْنا عالِيَها سافِلَها وأَمْطَرْنا عَلَيْها حِجارَةً مِنْ سِجِّيلٍ مَنْضُودٍ . مُسَوَّمَةً عِنْدَ رَبِّكَ ، وما هِيَ مِنَ الظَّالِمِينَ بِبَعِيدٍ « 1 » . ويجوز أن يكون الضمير في * ( فَغَشَّاها ) * يعود إلى جميع الأمم المذكورة ، وأبهم - سبحانه - ما غشيهم من عذاب ، للتهويل والتعميم . وقوله - سبحانه - * ( فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكَ تَتَمارى ) * تذكير بنعم اللَّه - تعالى - بعد التحذير من نقمة . أي : فبأي نعمة من نعم اللَّه - تعالى - تتشكك أيها الإنسان . والآلاء : جمع إلى ، وأي : اسم استفهام المقصود به التذكير بهذه النعم . وسمى - سبحانه - ما مر في آيات السورة نعما ، مع أن فيها النعم والنقم ، لأن في النقم عظات للمتعظين ، وعبرا للمعتبرين ، فهي نعم بهذا الاعتبار . ثم ختم - سبحانه - السورة الكريمة بهذا الإنذار الشديد ، فقال - تعالى - : * ( هذا نَذِيرٌ مِنَ النُّذُرِ الأُولى ) * والنذير بمعنى المنذر ، وهو من يخبر غيره بخبر فيه مضرة به ، لكي يحذره . أي : هذا الرسول الكريم ، وما جاء به من قرآن حكيم ، نذير لكم - أيها الناس - من جنس الإنذارات الأولى . التي أتى بها الأنبياء السابقون لأممهم فاحذروا مخالفة رسولنا

--> ( 1 ) سورة هود الآيتان 82 ، 83 .